كريم نجيب الأغر
312
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
الإقرار * قال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحج : 5 ] . جاء في مختار الصحاح : « والقرار في المكان الاستقرار فيه تقول : قررت بالمكان بالكسر ، أقرّ قرارا ، وقررت أيضا بالفتح ، أقرّ قرارا . . . وأقرّه في مكانه فاستقرّ » « 1 » . وورد في لسان العرب : « قرر . . . وصار الأمر إلى قراره ومستقرّه : تناهى وثبت وأقرّت الناقة : ثبت حملها » « 2 » . إذن فمعنى وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ هو : ونثبت في الأرحام ما نشاء . ونجد في قوله تعالى وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ . . . إعجازا علميا واضحا وهو أن اللّه سبحانه وتعالى ذكر مرحلة الإقرار بعد ذكر طور المضغة ، مما يعني أن الإقرار يبدأ من نهاية فترة المضغة . وقد يعترض بعض القرّاء على أن وظيفة الحرف « و » التي جاءت مع فعل « نقرّ » هي للعطف وليست للترتيب « 3 » ، وبالتالي فذكر الإقرار هنا لا يعني بالضرورة أن الإقرار يأتي بعد طور المضغة ، ولكن ما يلاحظ هنا أن اللّه تعالى ذكر الإقرار بعد ذكر أطوار النطفة والعلقة والمضغة ، وقبل ذكر مراحل الطفولة والشيخوخة . وبالتالي وضع الإقرار في هذا المكان من الآية وليس في سواه يدل على أن الإقرار يبدأ من هاهنا .
--> ( 1 ) مختار الصحاح ، باب القاف ، ص 528 - 529 . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « قرر » - ( ج 11 / ص 100 - 102 ) . ( 3 ) جاء في كتاب « قطر الندى وبل الصدى » ، ص 282 : « أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو للجمع من غير ترتيب » .